ابن أبي مخرمة
22
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
ولد لخمس بقين من ذي الحجة سنة أربع وأربعين وست مائة . وتفقه أولا بالفقيه عبد الوهاب بن أبي بكر بن ناصر ، ثم أتقن الفقه وحققه على ابن خاله محمد بن أبي بكر الأصبحي ، وأخذ عليه كتب الحديث أيضا ، ولما قدم المحب الطبري من مكة إلى تعز بطلب من المظفر . . وصل إليه الأصبحي ، وقرأ عليه في الفقه والحديث ، وكان من المحققين للفقه ، العارفين به ، ليس له نظير في عصره ، وكفى بتصانيفه المذكورة شاهدا بذلك ، وكان الفقهاء إذا تماروا في شيء . . لم يقنعهم جواب بعضهم لبعض حتى يعرفوا مأخذه ، فيسألونه عمّن نصّ عليها من العلماء ، فيجيبهم جوابا محققا ، حتى قال بعض أكابر المدرسين في عصره بمحضر جماعة من الفقهاء : مثل هذا الفقيه وسائر الفقهاء مثل قوم ولجوا بحرا يغوصون فيه لطلب الجواهر وكان فيهم رجل مجيد في الغوص ، خبير بالموضع ، فإذا غاص . . قصد المواضع التي يعرفها ، فيقع على الجواهر النفيسة فيخرجها ، فاعترف الحاضرون بصحة ذلك . وكان حسن الخلق ، دائم البشر ، حسن الألفة مع نزاهة عرض وزهد وورع . درس بالمظفرية بالمغربة أياما قلائل بإلزام وحوالة من القاضي البهاء ، ثم عاد إلى بلاده نافرا من غير إذن القاضي ولا غيره ، يقال : إنه رأى في المنام والده قد دخل في مجلس التدريس من المدرسة ، قال : فلما دنوت لأسلم عليه . . قطب في وجهي ولم يرد [ أن ] يصافحني ، فاستيقظت وعلى ظني أن سبب ذلك قبولي لطعام المدرسة ، فقمت بليلتي ، وسافرت . وكان يقول الحق ، لا تأخذه في اللّه لومة لائم ، ويشهد له ما أفتى به من صحة وصية الدار الشمسي بنت المنصور عمر بن علي بن رسول بجلّ أموالها لابن أخيها المؤيد بن المظفر - وهو معتقل في حبس أخيه الأشرف بن المظفر - إذا أجاز الوارث - وهو الفائز بن المنصور - ما زاد على الثلث ، وكان الأشرف يحب بطلان الوصية ؛ ليشتري ذلك من الفائز كما تقدم ذلك في ترجمة الإمام أحمد بن سليمان الحكمي « 1 » ، وإلى ذلك أشار الفقيه هارون السروي في قصيدة مدح بها الإمام المذكور بقوله : [ من الكامل ] لما دعاه من الملوك متوج * متغطرس وجنوده أفواج
--> ( 1 ) انظر ( 6 / 18 ) .